النويري
18
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكتب سابور بن أردشير في عهده إلى ولده : ليكن وزيرك مقبول القول عندك ، قوىّ المنزلة لديك ، يمنعه مكانه منك وما يثق به من لطافة منزلته ، من الخشوع لأحد أو الضراعة أو المداهنة لأحد في شئ مما تحت يده ، لتبعثه الثّقة بك على محض النصيحة لك ، والمنابذة لمن أراد غشّك وانتقاصك حقّك . وإن أورد عليك رأيا يخالفك ولا يوافق الصواب عندك ، فلا تجبهه جبه الظَّنين ، ولا تردّه عليه بالتّجهّم فيفتّ ذلك في عضده ، ويقبضه عن إبثاثك كلّ رأى يلوح صوابه ، بل اقبل ما ارتضيت من قوله ، وعرّفه ما تخوّفت من ضرر الرأي الذي انصرفت عنه ، لينتفع بأدبك فيما يستقبل الرأي فيه . واحذر كلّ الحذر أن تنزل هذه المنزلة سواه ممن يطيف بك من خدمك وخاصّتك ، وأن تسهّل لأحد منهم سبيل الانبساط بالنطق عندك والإفاضة في أمور ولايتك ورعيّتك ، فإنه لا يوثق بصحّة رأيهم ، ولا يؤمن الانتشار فيما أفضى من السرّ إليهم . وقال ابن المقفّع : عوّد نفسك الصبر على من خالفك من ذوى [ 1 ] النصيحة ، والتجرّع لمرارة قولهم وعذلهم ، ولا تسهّلن سبيل ذلك إلا لأهل الفضل والعقل [ والسّن [ 2 ] ] والمروءة في ستر ، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه أو يستخفّ به شانئ . واعلم أن رأيك لا يتّسع لكل شئ ففرّغه لمهمّ ما يعنيك ، وأن مالك لا يتّسع للناس فاخصص به أهل الحق [ 3 ] ، وأن كرامتك لا تطيق العامّة فتوخّ بها أهل الفضل ، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وإن دأبت فيهما ، فأحسن قسمتهما [ 4 ] بين عملك ودعتك . واعلم أن ما شغلت [ 5 ] من رأيك بغير المهمّ أزرى بك ، وما صرفت من مالك في الباطل
--> [ 1 ] كذا في الأدب الكبير ، وفى الأصل : « من رأى ذوى النصيحة » وظاهر أن كلمة « رأى » مقحمة لغير فائدة . [ 2 ] الزيادة عن الأدب الكبير ورسائل البلغاء . [ 3 ] في رسائل البلغاء : « وأن مالك لا يغنى الناس كلهم فاختصّ به ذوى الحقوق » . [ 4 ] كذا في الأدب الكبير ، وفى الأصل « فأحسن قسمتك . . . » . [ 5 ] في الأصل : « ما شغلت به الخ » وظاهر أن كلمة « به » مقحمة .